Wednesday, May 6, 2026

وجه آخر للقلق: مَن يَبدأُ التَّصفيقَ في كلِّ قاعة؟


Applause Painting By Denise Dalzell 

ثَمَّةَ كَفٌّ، في كلِّ قاعة، يَسبقُ صاحبَه. تنطلقُ منه أوّلُ تصفيقةٍ في تلك البُرهةِ التي تَلي الجملةَ الأخيرةَ من المحاضرة، قبلَ أن يَلتفتَ صاحبُ الكَفِّ يَمنةً أو يَسرة، وقبلَ أن يَرى ما يَفعلُه الآخرون. ثم يَلحقُه الناسُ واحدًا واحدًا، حتى يَظنَّ المُحاضرُ أنّ الجميع بَدأوا .معًا

ولن يَعرِفَ أحدٌ، لا المُحاضرُ ولا الجالسون، أنّ هناك في الصفِّ الخلفيِّ شخصًا تَحَمَّلَ، نيابةً عنهم جميعًا، عِبءَ كَسرِ ذلك الصمت:

إنّه القَلِقُ في القاعة.

سنواتٍ كنتُ أحسبُ القَلَقَ خَلَلًا في النفس، وسوءَ ظنٍّ بالعالم، وضَعفًا خَفِيًّا يَحسُنُ أن يُداوى. ثم تَبَيَّنَ لي، متأخّرًا قليلًا، أنّ القَلِقَ ليس خائفًا على نفسه. أو أنّه خائفٌ على نفسه قليلًا، وعلى مَن حوله كثيرًا. يَحملُ همومًا ليست همومَه. يُحاسبُ نفسَه على عواطفَ لم تَخُصَّه. لا يَنامُ هو، كي يَنامَ الآخرون مُطمئنّين.

في وَصفِ النبيِّ ﷺ آيةٌ تَختصرُ كلَّ ما أُحاولُ قولَه هنا:

(عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم)

وأنا أقرأُ هذه الآيةَ، يَتراءى لي أنّ في أعماقِ كلِّ من يَحمِلُ همَّ الناسِ شيئًا من هذا المَعنى، أن يَثقُلَ عليه عَنَتُهم، وأن يَحرِصَ عليهم.

أُولئكَ، في عُرفي، يَحمِلون وَجهًا نبيلًا من هذا الشُّعور.


سأَدُلُّكَ على وُجوهٍ من القَلَقِ ربما لم تَنتبه إليها:

هو الذي يَكتبُ لكَ «وَصَلتَ بسلام؟» قبل أن تَتذكّرَ أن تَطمئِنَه. لا يَكتبها بعد أن تَتأخّر، بل قبل أن تَتأخّر بدقائق.

هو الذي يَضحَكُ ضحكةً عاليةً للنُّكتةِ الباردةِ في الاجتماع، كيلا يَنكسرَ من ألقاها أمامَ مديره.

هو الذي يُغلِقُ بابَ السيارة بهُدوءٍ مُبالَغٍ فيه، حتى لا يُوقظَ جارًا لا يَعرفه.

هو الذي إذا كَتَبتَ في مجموعةِ «الواتساب» ولم يُجبكَ أحد، يُسارعُ بكتابة «تمام!»، كيلا يَسقُطَ كلامُكَ في بئر.

 هو الذي يَنتبه أنّ اسمَكَ نُطِقَ خطأً في الاجتماع، فيُعيدُه صحيحًا في جملتِه التالية، دون أن يُشيرَ إلى الخطأ، حتى لا يُحرِجَ من أخطأ، ولا يُحرِجَكَ أنتَ بتصحيحٍ عَلَني.

.هو الذي يَسمعُ السالفةَ للمَرّةِ الرابعة بشَغَفِ المَرّةِ الأولى، لأنّه يَعرفُ أنّ مَن يَرويها يَحتاجُ أن يَشعُرَ أنّه أَدهَشَه

هو الذي إذا اشتدَّ الخلافُ بين شخصين، تَذكّرَ فجأةً ذكرى مُضحكةً لا علاقةَ لها بشيء، فيَضحكُ الجميعُ ويَنسَون.

هو الذي يَحفظُ، دون أن يَقصد، أنّ صديقَه لا يشربُ القهوةَ بسُكَّر، وأنّ أمَّه تَخافُ الصوتَ العالي، وأنّ زميلَه يَنزعجُ إن قاطعَه أحد. لا يَستحضِرُ هذه القائمةَ في عقله، لكنّ يدَه ولسانَه يَتحرّكان وفقَها وحدَها.


في كلِّ مجلسٍ، تأتي تلك اللحظةُ التي تَعرفُها أنتَ جيّدًا: يَسقُطُ الحديثُ فجأة، فلا أحدَ يَدري ماذا يقولُ بَعدَه، ويَختلسُ كلُّ واحدٍ نَظَرًا إلى هاتفه أو إلى زاويةٍ في السَّقف، مُنتظِرًا أن يَتفضّلَ غيرُه ويَكسرَ الصَمت. لكنّ بين هؤلاء الجالسين شخصًا واحدًا لا يَنتظر. هو يَعرفُ — قبلَ أن يَعرفَ الآخرون، أنّ هذا الفَراغَ مسؤوليّتُه وحده، فيَطرحُ سؤالًا تافهًا في ظاهره، يُولِّدُ به حِوارًا جديدًا يَنجو به الجميعُ من المَوقف.

وفي كلّ خلافٍ يقعُ بين اثنين، ثَمّةَ عَينٌ ثالثة، هي عَينُ القَلِق، تَعرفُ أين سيَنتهي هذا النقاشُ من أوّلِ جملة. ليست نُبوءةً، ولا فراسة. هو حسابٌ سريعٌ يُجريه عقلُه في الخفاء؛ يَجمعُ نَبرةَ هذا، ولفظةَ ذاك، وارتعاشةَ يدٍ عند الجواب، فيَخرُج بنسبةٍ تقريبيةٍ لاحتمالِ أن يَنفجرَ الموقف. وفي الغالب، يكون هو من يُطفئُ الفتيلَ قبل أن يَصلَ إلى البارود، بكلمةٍ صغيرة، أو ضحكةٍ في مكانها.


كان المتنبي يَعرفُ هذه الريحَ من الداخل، فقال:

على قَلَقٍ كأنَّ الريحَ تحتي  

أُوَجِّهُها جَنوبًا أو شَمالا

والفرقُ، وقد طالَ تأمُّلي فيه، أنّ المتنبيَّ كان يَركبُ ريحَه ليَصلَ إلى مَجد، أمّا القَلِقون الذين أعرفُهم، فيَركبون ريحَهم ليُريحوا غيرَهم. هؤلاء أهدأُ ريحًا في الظاهر، وأَكثرُ اضطرابًا في الباطن.


هل الإنسانُ القَلِقُ أنانيّ؟

سؤالٌ قاسٍ، أَعرف. لكنّه يَستحقُّ أن يُطرَح، حتى لا تكونَ هذه السطورُ احتفاءً ساذجًا بالقَلَق، أو تَجميلًا لِما لا يَحتمِلُ التجميل.

في لحظةِ صَفاء، يَسألُ القَلِقُ نَفسَه: هل أنا حقًّا أَحرسُ الآخرين، أم أنّني أَستخدمُ هذه الحراسةَ لأُسكِتَ ما يَدورُ في صَدري أنا؟ هل أبدأُ التصفيقَ شَفَقةً على المُحاضر، أم لأَتَخَفَّفَ من ثِقلِ الصمتِ في نَفسي؟ هل أُطفئُ الفتيلَ بين المُتخاصِمَين رحمةً بهما، أم لأنّ خلافَهما يكادُ يَعصِفُ بي قبل أن يَعصِفَ بهما؟

للقَلِقين خطيئةٌ سايكوباثية، وهي الاستحواذُ على المَشهد. لا يَملِكُ كلُّ من بقُربهم إلا أن يَكتمَ أنفاسَه ولا يَبوحَ بشيءٍ ممّا في نَفسه، يَخفِضُ من هالةِ وجوده لأنّ هالةَ القَلَقِ استحواذية. يَتَشَوَّهُ شعورُ القَلِقِ من فَرطِ التعبير، ويَتَشَوَّه نموُّ الآخَرِ من فَرطِ التسامي والكتمان.

وَقَفتُ أمامَ هذا الكلامِ طويلًا، فلم أَستطِعْ أن أَدفعَه عنّي كلَّه. ففيه ما لا يُنكَر: أنّ القَلِقَ، حين يَفيض، قد يُصبحُ ثقيلًا على من حوله دون أن يَدري.

حين يَسألُكَ خمسَ مرّاتٍ في اليوم «هل أنتَ بخير؟»، يَستهلكُ منكَ طاقةً لا تَملِكها.

حين يَستبقُكَ إلى الاعتذارِ عن خطأٍ لم تُلاحظْه، يَفتحُ لكَ بابَ شعورٍ بالذنبِ لم يَكن في حِسابك.

حين يَفترضُ أنّكَ حزينٌ ويَسعى إلى إصلاحِك، قد يَنتزعُ منكَ الحقَّ في أن تكونَ على طبيعتك.

حين يَملأُ الجوَّ بحرصِه، قد لا يَترُكُ هواءً لغيرِه يَتنفَّسُه.

ثَمّةَ فَرقٌ، دقيقٌ ومُهمّ، بين القَلَقِ الذي يَنتبهُ إلى الآخرين، والقَلَقِ الذي يَسجنُ الآخرين في انتباهه. الأوّلُ يَفتحُ نافذةً لمن حوله. الثاني يُغلِقُ عليهم البابَ من حُسنِ النيّة.

ولعلّ الفَيصلَ هنا أن يَسألَ القَلِقُ نَفسَه سؤالًا واحدًا، ثم يُجيبَ بصِدق: هل قَلَقي يَجعلُ الآخرين أَوسعَ صدرًا، أم أَضيق؟ هل يَتنفّسُ مَن حولي بحضوري، أم يَكتمون أنفاسَهم كي لا يُشَوِّشوا عليّ؟ إذا كانَ القَلِقُ خفيفَ الظِّلِّ على نَفسه، خفيفَ اليدِ على الآخرين، فهو حارسُ المجلس. أمّا إذا صارَ هو نَفسُه الجوَّ الذي يَخنُقُ من حوله، فقد انقلبَ، دون أن يَشعر، من حارسٍ إلى سَجّان.

يَطلبُ الناسُ من علماءِ الإحصاءِ استطلاعاتِ رأي، ويَطلبون من شركاتِ التسويقِ نِسَبَ رضا العملاء. لكنّي أَزعمُ أنّ في كلّ بيتٍ ومكتبٍ ومستشفى مِقياسًا أدقَّ من هذه الأدوات كلِّها: شخصٌ قَلِقٌ واحد. اسألوه يُخبركم، دون رسومٍ بيانية، كم بَقي في علاقتكم، وكم نَفِد، وأين موضعُ الكَسر، ومن يَستحقُّ اعتذارًا قبل أن يَطلبَه. كلُّ ما تحتاجونه أن تَستجلبوا قَلِقًا، خبيرًا في القَلَق، فيُجيبَكم بصمتٍ هَزَّ الرأسَ به، أو بنظرةٍ طويلةٍ لا تَعِدُ بشيء.

Anxiety painting by the Norwegian painter Edvard Munch

هل القَلَقُ مَرَضٌ، أم لا؟

طويلًا حَيَّرَني هذا السؤال، فوجدتُ أنّ الإجابةَ تَختلفُ باختلافِ القَلِقِ نَفسِه، لا باختلافِ القَلَق..

القَلَقُ في أصله ليس مَرَضًا. هو جهازُ إنذارٍ أَودَعَتْه الطبيعةُ فينا. في مراجعةٍ عن الجذور التطوّرية للقلق، يقول الباحثون إنّ القَلَقَ المستديم، أي اليقظةَ العالية، والبَحثَ عن إشاراتِ الخَطَر، وتجنُّبَ المواقفِ التي قد تُؤذي، يَمنحُ صاحبَه ميزةً تكيُّفيةً على الأقلِّ قَلَقًا منه. أي إنّ القَلِقين، في تاريخنا الطويل، كانوا أوّلَ من يَكشفُ المُفترِسَ في الظلام، فيَنجون ويُنجّون قبيلتَهم.

An Evolutionary Perspective on Anxiety and Anxiety Disorders
DOI: 10.5772/52902


ووَجَدتُ في مراجعةٍ منهجيةٍ عن القَلَق الاجتماعي والتعاطف، نشَرها بيتِلكاو وزملاؤه، أنّ الأشخاصَ الذين يحملون قلقًا اجتماعيًّا يُبدون حساسيةً أعلى لمشاعر الآخرين وأفكارهم، لا أقلّ. وكأنّ الجهازَ الذي يُؤرّقُ صاحبَه في الليل، هو نفسُه الجهازُ الذي يَلتقطُ في النهار رِعشةَ الصوتِ في حنجرة الآخر، وانكسارَ الابتسامةِ قبل أن تكتمل.

Social Anxiety and Empathy: A Systematic Review and Meta-analysis
https://doi.org/10.1016/j.janxdis.2021.102357


يقول الفَيلسوفُ كيركغارد: القَلَقُ دُوارُ الحريّة.


وأَفهمُ الآن لماذا: لأنّ الحُرَّ وحدَه يَملِكُ أن يَختارَ حَملَ همِّ غَيره. أمّا الذي لا يَختار، فلا يَقلَق.

ولعلّ القَلَقَ، في صورته الأخيرة، ليس دُوارَ الحريّة فحسب، بل دُوارَ المَحبّة. فحين تَفيضُ المَحبّةُ في صَدرٍ صغير، يَتَرَنَّحُ بها صاحبُها، يُسَمّيها الناسُ قَلَقًا، ويُسَمّيها الله رأفة ورحمة.

فإن وَجَدتَ في حياتك قَلِقًا واحدًا، فاعلَم أنّ عندكَ كَنزًا لا يَعرفُ صاحبُه أنّه كَنز. وإن كنتَ أنتَ ذلك القَلِق، فاعلَم أنّ ما تَحمِلُه ليس عيبًا تُداويه، بل أمانةٌ ثَقيلةٌ، حُمِّلْتَها لأنّ غيرَكَ لم يكن يُحسِنُ حَملَها.


Thursday, March 19, 2026

الجرح الموروث: أوفونسو كروش وفن تحنيط الغياب



أوفونسو كروش، كاتب ورسّام كاريكاتوري وموسيقي برتغالي. صدرت أعماله عربيًا عن دار مسكيلياني


.ثمة لحظة، في بعض الكتب، لا تقرأها بل تقع فيها

لا تُدرك وقوعك فيها إلا حين تجد نفسك تُغلق الكتاب وتُحدّق في السقف، مُبهوتًا كمن صفعه شيء ناعم لا يُؤلم لكنّه يُبقي أثره لأيام. هذا ما يفعله أوفونسو كروش، الكاتب البرتغالي المولود عام 1971، في كل رواية يكتبها: لا يحكي لك قصة بقدر ما يدعوك إلى .مجلسه الحزين، يضع أمامك شايًا باردًا وسؤالًا لا يُحتمل، ثم يتظاهر أنه لم يفعل شيئًا


كان عام 1918. الحرب العالمية الأولى تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومعها كان يلفظ أوسكار كوكوشكا، الرسام النمساوي الكبير، أنفاس عقله. كانت ألما ماهلر قد تركته، أرملة الموسيقار غوستاف ماهلر، أرملة تحمل من الجاذبية ما يكفي لتحطيم كوكوشكا مرتين. حين رحلت، لم يُصدر صرخة ولم يكتب شعرًا. فعل ما لم يخطر ببال إنسان سوي قبله ولا بعده: أرسل خطابًا مفصّلًا إلى صانعة دُمى في ميونخ يصف فيه جسد ألما ماهلر بحمّى تشريحية مُرعبة، طالبًا نسخة كاملة منها بالحجم الطبيعي. ملمس الجلد، كثافة الشعر، دقة التعابير، حتى الطريقة التي كانت تحتضن بها فستانها.


أوسكار كوكوشكا، رسام ومصور وأديب نمساوي يتنمي إلى الحركة التعبيرية


استلم الدمية. أخذها إلى دار الأوبرا. أجلسها في المقعد المجاور. استأجر لها مربية. رسمها في لوحات متعددة. وفي حفلة شهيرة أمام ضيوفه، صبّ الخمر الأحمر على جسدها ثم طلب من خادمه قطع رأسها.

قرأتُ هذه القصة فلم أعرف أكنتُ أمام مرض أم أمام حبٍّ بلغ ذروته. ثم أدركتُ أن الفرق بين الاثنين، أحيانًا، لا يتجاوز سُمك ورقة.

.أوفونسو كروش قرأها أيضًا. لكنه لم يكتب عنها. بل كتبَ من داخلها

ولفهم ما يفعله كروش في رواياته، لا بدّ من البدء بسؤال يبدو بسيطًا: من أين يأتي الجرح؟

السؤال ليس شعريًا فقط. في عام 2016، نشرت الباحثة راشيل يهودا من جامعة ماونت سيناي دراسة في مجلة علم الأحياء النفسي هزّت ما كنّا نظنّه بديهيًا. درست ناجين من المحرقة النازية وأبناءهم، ووجدت أن نمط مثيلة جين الاستجابة للضغط النفسي، جين يُسمّى اختصارًا "إف-كي-بي-5"، كان مُعدَّلًا بصورة متطابقة في كلا الجيلين: الآباء الذين احترقوا، والأبناء الذين لم يشهدوا سوى الرماد. الجُرح لم ينتظر لسان أصحابه ليُروى. انتقل صامتًا في الخلية، دون كلمة، دون ذاكرة واعية، مجرد إشارة .كيميائية تسبق اللغة وتسبق الوعي 

.الصدمة، كما قالت يهودا، ليست ذكرى. إنها بُنية

Yehuda R, et al. Holocaust Exposure Induced Intergenerational Effects on FKBP5 Methylation.
Biological Psychiatry. 2016;80(5):372-380. DOI: 10.1016/j.biopsych.2015.08.005


:وهنا يُصبح سؤال إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر اللبناني، أكثر من استعارة شعرية

جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَينَ وَلكِنّي أَتَيتُ
وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيتُ
وَسَأَبقى ماشِياً إِن شِئتُ هذا أَم أَبَيتُ
كَيْفَ جِئتُ؟ كَيْفَ أَبصَرتُ طَريقي؟ لَستُ أَدري

كان يظنّ أنه يكتب عن الوجود. لكنه كان يصف، دون أن يدري، كل إنسان يحمل في خلاياه جُرحًا لم يعشه ويسير نحو مصير لم يختره، كما لو أن الطريق قد رُسمت قبل ولادته بجيل أو جيلين.

.غير أن الجرح لا يكتفي بأن يُوجِع. يمتد إلى ما هو أعمق

في عام 2008، نشرت الباحثة ماري فرانسيس أوكونور في مجلة "نيورو-إيمدج" دراسة أدخلت فيها حزينين إلى جهاز الرنين المغناطيسي، ثم عرضت عليهم صور من رحلوا. وجدت أن من لم يتعافَ حزنهم مع الوقت، هؤلاء تحديدًا، أضاءت في أدمغتهم حين رأوا وجوه من أحبّوا منطقةٌ تُسمّى النواة المتكئة، وهي المنطقة ذاتها التي تنشط حين يرى المدمن مادة إدمانه. الدماغ لا يُفرّق بين الشوق الذي لا ينتهي وبين الإدمان. والأشدّ إيلامًا في النتيجة: أن هذا الإضاءة كانت مرتبطة بالحنين ذاته، لا بمرور الوقت، ولا بالعمر، ولا بأي شيء آخر. فقط بشدة الاشتياق.


O'Connor MF, et al. Craving love? Enduring grief activates brain's reward cente
 NeuroImage. 2008;42(2):969-972. DOI: 10.1016/j.neuroimage.2008.04.256


وهذا هو عالم كروش بالضبط: عالم ناسٍ يُدمنون غائبين، يصنعون منهم دُمى وروايات وأبًا ابتلعه كتاب، لا لأنهم مجانين، بل لأن الدماغ نفسه لا يعرف كيف يُفطم عمّن أحبّهم.

ثمة فيلسوف فرنسي كان سيبتسم لو قرأ نتيجة أوكونور. بول ريكور، الذي أمضى عمره يسأل سؤالًا واحدًا: من يكون الإنسان حين يفقد ما يُعرّفه؟

إجابته كانت صادمة بهدوئها: الإنسان ليس جوهرًا ثابتًا يحمله من المهد إلى اللحد، بل سردية يرويها. نحن لا نملك هوية، نحكيها. ما لا يُحكى لا يوجد. وما لا يوجد، مع ذلك، يظل يؤلم.

أي أن الصنع، عند كروش وعند كوكوشكا قبله، ليس هروبًا من الفقد بل فعل وجود. حين تصنع دمية من غائب، أو تكتب رواية عن أب ابتلعه الكتاب، أو تشتري شاعرًا كي لا تخسر القصيدة، فأنت لا تُنكر الرحيل، أنت تُثبت أنك لا تزال موجودًا رغمه. تحكي كي تكون. تصنع كي لا تختفي.

.في رواياته، ثمة أسلوب يصعب وصفه لمن لم يلمسه بيده، لكن يمكن المحاولة

تخيّل رواية تبدأ بفكرة سخيفة تمامًا: رجل يُعلَن للبيع. أو أب يُبتلعه كتاب. أو عاشق يصنع دمية من حبيبة رحلت. المدخل دائمًا أقرب إلى النكتة منه إلى المأساة. تقرأ الصفحة الأولى وأنت لا تزال تبتسم. ثم في مكان ما بين الفصل الأول والثاني، تكتشف أن الابتسامة جفّت على وجهك دون أن تشعر بجفافها. هذه حيلته المحبّبة والقاتلة: يستدرجك بالخفّة ليوصلك إلى ثقل لم تكن مستعدًا له، كمن يدعوك لحفلة ثم تجد نفسك في جنازة وأنت ما زلت ترتدي ثياب الفرح.

جُمَله قصيرة كوميض خاطف لكنها تترك لهيبها خلفها. لا يصف كثيرًا، يوحي. لا يُفسّر دوافع شخصياته، يتركها تقف أمامك محيّرة كأفراد عائلة لا تعرفهم جيدًا لكنك تعرف أنهم يحملون شيئًا ثقيلًا. يُؤثر الفجوة على الامتلاء، ويكتب ما بين الكلمات أكثر مما يكتب الكلمات نفسها. ولا تدري أين انتهت النكتة وبدأ البكاء.

في الكتب التي التهمت والدي، لا يموت الأب، وهو ما هو أمضّ من الموت، بل يُبتلع رويدًا رويدًا في صفحات الكتب. والابن لا يبحث عنه في المقابر، يبحث عنه بين الأسطر، يقلّب الصفحات كمن يقلّب حجارة في نهر.

في الحفيدة، يتحوّل الميراث إلى لعنة أدقّ: لا يرث الأحفاد الأموال، يرثون الجروح التي ظنّ أصحابها أنهم دفنوها بعمق كافٍ، تمامًا كما وجدت يهودا في جيناتهم ما لم يعيشوه.

في هيا نشتر شاعرًا، يسأل في هدوء مخيف: حين يُباع الشاعر، ما الذي يُباع فعلًا؟ ويتركك بلا إجابة.

وفي الرسّام تحت المجلى، يختبئ الفنان في أكثر أماكن البيت تواضعًا ليُمارس فعله، لأن الفن عند كروش ليس احتفاءً بالجمال بل فرارًا نحو الداخل، نحو الغرفة الوحيدة التي لا يستطيع أحد دخولها بلا إذن. 

قال فرناندو بيسوا، ابن لشبونة التي أنجبت كروش بطريقة ما: "أنا من الحجم الذي أراه، لا من الحجم الذي أكون." كروش كاتب بيسواوي في صميمه، لا يُصدّق الأحجام الظاهرة لأشياء تعيش على الداخل. وحين تجمع رواياته وتنظر إليها من بعيد كما تنظر إلى خارطة فلك، تجد أنه يكتب عن شيء واحد يُعيد تشكيله في كل كتاب: كيف يعيش الإنسان مع ما لا يستطيع ملاكه ولا التخلي عنه؟


فيرناندو بيسوا، شاعر وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي


الجواب عنده دائمًا هو نفسه: تصنع منه شيئًا! رواية، أو دمية، أو حياةً كاملة مبنيّة فوق الفقد كمن يبني بيتًا فوق أرض زلزلت ولا يزال يأمل بالاستقرار.

الفرق الوحيد بين كوكوشكا وكروش أن الأول صنع دمية ليملأ بها فراغ امرأة واحدة، والثاني صنع روايات ليملأ بها فراغًا أضخم بكثير: فراغ ذلك الشعور العصيّ على التسمية الذي تصفه يهودا في خلاياها والذي حدسه أبو ماضي في قصيدته، الشعور بأنك وصلتَ إلى هذا العالم تحمل جرحًا لا تعرف كيف وصل إليك، وتمشي في طريق لم تختره، وتسأل كيف أبصرتَ ما أبصرت، ولا تجد جواباً.

كوكوشكا قطع رأس الدمية في نهاية الأمر. كروش لم يفعل. رواياته لا تزال مغلقة، تنتظر من يفتحها

Monday, April 7, 2025

هويات طافية على المحيط: حين تُصبح الغربة وطناً

 خالد العامر


على الضفة الهادئة من المحيط الهندي، حيث تُداعب الريح جدائل النخيل، وتتناثر رائحة القرفة والقرنفل كأنها صلاة معلّقة، تقع .زنجبار

.جزيرة لا تُشبه غيرها، لا في شكلها ولا في إيقاعها، كأنها قررت منذ زمن أن تسير خارج الزمن

جئتُها لأستجم، لأستريح من صخب المدن، من توتر المواعيد، ومن تسارع لا أعرف مَن يقوده. لم أكن أبحث عن أجوبة، ولا عن قصص تُروى، لكنني وجدت نفسي أمام حكايتين... وحالة شعورية لا يمكن وصفها. أقمت في منتجع صغير على أطراف الجزيرة، يملكه رجل سوري. في صباح نديّ، جلسنا على طاولة المطعم نرتشف القهوة، وأخبرني قصته.

سوري الجنسية، لأم إيطالية، مكسيكي الزوجة، زنجباري الهوى. كان يتكلم بهدوء رجل متصالح مع نفسه، كأنّه صالحها بعد خصام طويل. قال لي: هنا لا يسألك أحد من أين أتيت. يسألونك فقط كيف تشعر اليوم.

كانت جملة، لكنها فتحت داخلي نافذة. تذكّرت حينها ما كتبه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة حين قال إن الهويّة لا يمكن اختزالها في انتماء واحد، وإن الإنسان يحمل بداخله دوائر متداخلة، وكل محاولة لتقليصها إلى هوية واحدة هي مشروع كارثي.

 معلوف ذاته، كان ابن المشرق والمغرب، المسيحي والعربي، ولا يرى في ذلك تناقضًا، بل ثراءً. شعرت وأنا أستمع لهذا السوري، أنني لا أسمعه فقط، بل أرى معلوف يجلس معنا، يبتسم ويومئ برأسه.


بعد أيام، وبينما كنت أتسوق من سوبرماركت صغير،لفتني رجل يرتدي تيشيرت كُتب عليه اسمٌ غريب. سألته بلطف عن معنى الاسم، أجابني بانجليزية تشوبها عربية، فابتسمت وسألته: "من وين حضرتك؟"

ضحك وقال: "أصعب سؤال هنا! لبناني، بس الوالدة يونانية، وعشت فترة طويلة في فرنسا. بس هلق هون... هون بزنجبار."

.قالها وكأنه يتحدث عن حالة شعورية، لا عنوان سكن.

دعاني بعدها لمطعمه الصغير، الذي يقدم فيه أطباقًا إيطالية بطابع خاص. المطعم بسيط، الإنارة دافئة، والموسيقى التي يعزفها في الخلفية ليست موسيقى مطاعم، بل مقاطع يبدو أنه أحبّها يومًا. تبين لاحقًا أنه كان يعمل كـ دي جي قبل أن يقرر الهرب من كل ذلك والبدء من جديد.

جلسنا نتحدث عن الوطن، فقال لي: "الوطن؟ مش المكان اللي ولدت فيه... الوطن هو المكان اللي ما بتحتاج تشرح فيه حالك."

تأملتُ عبارته طويلًا، كما لو أنها نُقشت في رأسي. لم يكن يتحدث عن بلد، بل عن حالة من السلام الداخلي، عن موطئ قدم في 
.عالم يموج بالتعريفات والانتماءات

تلك الجملة سكنت فيّ كما تسكن الذكرى في القلب. ليست مجرد عبارة، بل مفتاح لفهم كل شيء شعرتُ به منذ أن وطأت قدمي هذه الأرض.
الوطن حالة، لا جغرافيا. تذكّرت وقتها ما قاله درويش: "الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها". نعم،
نحن نخلق هويتنا كما نخلق القصائد. لا أحد يملك الحق في حصرنا بانتماء واحد، ولا حتى نحن.


لكن ليست فقط القصص البشرية هي ما شدّتني. تنزانيا كلّها قصيدة تنوّع. من أصغر حشرة تتقافز بين أوراق الموز، إلى طيور بألوان زاهية كأنها خرجت من لوحة مائية، إلى القرود التي تعبث في ظلال الأشجار، والأشجار ذاتها التي لا تتشابه، لا في شكلها ولا في أوراقها.

ثم هناك الفواكه، كما لو أن الطبيعة هنا أرادت أن تختبر قدرة الإنسان على الدهشة: جوافة بقلوب وردية، مانجو بطعم الطفولة، أناناس بنكهة الشمس، وقشطة كأنها خرافة صالحة للأكل.

كل شيء في زنجبار يحتفي بالاختلاف. لا شيء متشابه، ومع ذلك كل شيء متناغم. وهذا التناغم لم يكن في الطبيعة وحدها، بل في الناس أيضًا. خليط أعراق، ألسنة، ديانات، وخلفيات، تتعايش بلا قلق، بلا صراع على تعريف، بلا صراع أصلًا. وفي ذلك :المناخ البطيء، الهادئ، قرأت كتاب

 The Things You Can See Only When You Slow Down

لمؤلفه هيمن صنيم. كان يسأل: "لماذا نحن مشغولون إلى هذا الحد؟" وكان جوابه أن الانشغال لا يأتي من ازدحام الخارج، بل من اضطراب الداخل. العقل هو من يخلق الزحام، لا العالم. فإذا هدأت عقولنا، بدا كل شيء حولنا هادئًا. العالم، كما يقترح الكتاب، ليس إلا مرآة لذواتنا.

حين قرأته وسط تنوّع زنجبار وهدوئها، فهمت أن الحياة البطيئة ليست كسلًا، بل إدراك. أن البطء يمنحك فرصة للانتباه، لرؤية التفاصيل، لسماع صوتك الداخلي بعد أن أنهكه ضجيج الخارج. زنجبار لم تكن مجرّد وجهة سياحية. كانت لحظة توقّف. توقّف عن الركض، عن القلق، عن السعي المحموم نحو "تعريف الذات".

.فيها، وجدت أن الهويّة ليست شيئًا نمتلكه، بل شيئًا نصادفه حين نكفّ عن البحث.

.غادرتُ الجزيرة وأنا أخفّ. لا لأن شيئًا تغيّر من حولي، بل لأني تغيّرتُ تجاهه

.في أماكن مثل زنجبار، لا تُعرَف الهويّة من جواز سفرك، بل من الطريقة التي تُنصت بها للبحر

وجه آخر للقلق: مَن يَبدأُ التَّصفيقَ في كلِّ قاعة؟

Applause Painting By Denise Dalzell   ثَمَّةَ كَفٌّ، في كلِّ قاعة، يَسبقُ صاحبَه. تنطلقُ منه أوّلُ تصفيقةٍ في تلك البُرهةِ التي تَلي الجملةَ...