Wednesday, May 6, 2026

وجه آخر للقلق: مَن يَبدأُ التَّصفيقَ في كلِّ قاعة؟


Applause Painting By Denise Dalzell 

ثَمَّةَ كَفٌّ، في كلِّ قاعة، يَسبقُ صاحبَه. تنطلقُ منه أوّلُ تصفيقةٍ في تلك البُرهةِ التي تَلي الجملةَ الأخيرةَ من المحاضرة، قبلَ أن يَلتفتَ صاحبُ الكَفِّ يَمنةً أو يَسرة، وقبلَ أن يَرى ما يَفعلُه الآخرون. ثم يَلحقُه الناسُ واحدًا واحدًا، حتى يَظنَّ المُحاضرُ أنّ الجميع بَدأوا .معًا

ولن يَعرِفَ أحدٌ، لا المُحاضرُ ولا الجالسون، أنّ هناك في الصفِّ الخلفيِّ شخصًا تَحَمَّلَ، نيابةً عنهم جميعًا، عِبءَ كَسرِ ذلك الصمت:

إنّه القَلِقُ في القاعة.

سنواتٍ كنتُ أحسبُ القَلَقَ خَلَلًا في النفس، وسوءَ ظنٍّ بالعالم، وضَعفًا خَفِيًّا يَحسُنُ أن يُداوى. ثم تَبَيَّنَ لي، متأخّرًا قليلًا، أنّ القَلِقَ ليس خائفًا على نفسه. أو أنّه خائفٌ على نفسه قليلًا، وعلى مَن حوله كثيرًا. يَحملُ همومًا ليست همومَه. يُحاسبُ نفسَه على عواطفَ لم تَخُصَّه. لا يَنامُ هو، كي يَنامَ الآخرون مُطمئنّين.

في وَصفِ النبيِّ ﷺ آيةٌ تَختصرُ كلَّ ما أُحاولُ قولَه هنا:

(عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم)

وأنا أقرأُ هذه الآيةَ، يَتراءى لي أنّ في أعماقِ كلِّ من يَحمِلُ همَّ الناسِ شيئًا من هذا المَعنى، أن يَثقُلَ عليه عَنَتُهم، وأن يَحرِصَ عليهم.

أُولئكَ، في عُرفي، يَحمِلون وَجهًا نبيلًا من هذا الشُّعور.


سأَدُلُّكَ على وُجوهٍ من القَلَقِ ربما لم تَنتبه إليها:

هو الذي يَكتبُ لكَ «وَصَلتَ بسلام؟» قبل أن تَتذكّرَ أن تَطمئِنَه. لا يَكتبها بعد أن تَتأخّر، بل قبل أن تَتأخّر بدقائق.

هو الذي يَضحَكُ ضحكةً عاليةً للنُّكتةِ الباردةِ في الاجتماع، كيلا يَنكسرَ من ألقاها أمامَ مديره.

هو الذي يُغلِقُ بابَ السيارة بهُدوءٍ مُبالَغٍ فيه، حتى لا يُوقظَ جارًا لا يَعرفه.

هو الذي إذا كَتَبتَ في مجموعةِ «الواتساب» ولم يُجبكَ أحد، يُسارعُ بكتابة «تمام!»، كيلا يَسقُطَ كلامُكَ في بئر.

 هو الذي يَنتبه أنّ اسمَكَ نُطِقَ خطأً في الاجتماع، فيُعيدُه صحيحًا في جملتِه التالية، دون أن يُشيرَ إلى الخطأ، حتى لا يُحرِجَ من أخطأ، ولا يُحرِجَكَ أنتَ بتصحيحٍ عَلَني.

.هو الذي يَسمعُ السالفةَ للمَرّةِ الرابعة بشَغَفِ المَرّةِ الأولى، لأنّه يَعرفُ أنّ مَن يَرويها يَحتاجُ أن يَشعُرَ أنّه أَدهَشَه

هو الذي إذا اشتدَّ الخلافُ بين شخصين، تَذكّرَ فجأةً ذكرى مُضحكةً لا علاقةَ لها بشيء، فيَضحكُ الجميعُ ويَنسَون.

هو الذي يَحفظُ، دون أن يَقصد، أنّ صديقَه لا يشربُ القهوةَ بسُكَّر، وأنّ أمَّه تَخافُ الصوتَ العالي، وأنّ زميلَه يَنزعجُ إن قاطعَه أحد. لا يَستحضِرُ هذه القائمةَ في عقله، لكنّ يدَه ولسانَه يَتحرّكان وفقَها وحدَها.


في كلِّ مجلسٍ، تأتي تلك اللحظةُ التي تَعرفُها أنتَ جيّدًا: يَسقُطُ الحديثُ فجأة، فلا أحدَ يَدري ماذا يقولُ بَعدَه، ويَختلسُ كلُّ واحدٍ نَظَرًا إلى هاتفه أو إلى زاويةٍ في السَّقف، مُنتظِرًا أن يَتفضّلَ غيرُه ويَكسرَ الصَمت. لكنّ بين هؤلاء الجالسين شخصًا واحدًا لا يَنتظر. هو يَعرفُ — قبلَ أن يَعرفَ الآخرون، أنّ هذا الفَراغَ مسؤوليّتُه وحده، فيَطرحُ سؤالًا تافهًا في ظاهره، يُولِّدُ به حِوارًا جديدًا يَنجو به الجميعُ من المَوقف.

وفي كلّ خلافٍ يقعُ بين اثنين، ثَمّةَ عَينٌ ثالثة، هي عَينُ القَلِق، تَعرفُ أين سيَنتهي هذا النقاشُ من أوّلِ جملة. ليست نُبوءةً، ولا فراسة. هو حسابٌ سريعٌ يُجريه عقلُه في الخفاء؛ يَجمعُ نَبرةَ هذا، ولفظةَ ذاك، وارتعاشةَ يدٍ عند الجواب، فيَخرُج بنسبةٍ تقريبيةٍ لاحتمالِ أن يَنفجرَ الموقف. وفي الغالب، يكون هو من يُطفئُ الفتيلَ قبل أن يَصلَ إلى البارود، بكلمةٍ صغيرة، أو ضحكةٍ في مكانها.


كان المتنبي يَعرفُ هذه الريحَ من الداخل، فقال:

على قَلَقٍ كأنَّ الريحَ تحتي  

أُوَجِّهُها جَنوبًا أو شَمالا

والفرقُ، وقد طالَ تأمُّلي فيه، أنّ المتنبيَّ كان يَركبُ ريحَه ليَصلَ إلى مَجد، أمّا القَلِقون الذين أعرفُهم، فيَركبون ريحَهم ليُريحوا غيرَهم. هؤلاء أهدأُ ريحًا في الظاهر، وأَكثرُ اضطرابًا في الباطن.


هل الإنسانُ القَلِقُ أنانيّ؟

سؤالٌ قاسٍ، أَعرف. لكنّه يَستحقُّ أن يُطرَح، حتى لا تكونَ هذه السطورُ احتفاءً ساذجًا بالقَلَق، أو تَجميلًا لِما لا يَحتمِلُ التجميل.

في لحظةِ صَفاء، يَسألُ القَلِقُ نَفسَه: هل أنا حقًّا أَحرسُ الآخرين، أم أنّني أَستخدمُ هذه الحراسةَ لأُسكِتَ ما يَدورُ في صَدري أنا؟ هل أبدأُ التصفيقَ شَفَقةً على المُحاضر، أم لأَتَخَفَّفَ من ثِقلِ الصمتِ في نَفسي؟ هل أُطفئُ الفتيلَ بين المُتخاصِمَين رحمةً بهما، أم لأنّ خلافَهما يكادُ يَعصِفُ بي قبل أن يَعصِفَ بهما؟

للقَلِقين خطيئةٌ سايكوباثية، وهي الاستحواذُ على المَشهد. لا يَملِكُ كلُّ من بقُربهم إلا أن يَكتمَ أنفاسَه ولا يَبوحَ بشيءٍ ممّا في نَفسه، يَخفِضُ من هالةِ وجوده لأنّ هالةَ القَلَقِ استحواذية. يَتَشَوَّهُ شعورُ القَلِقِ من فَرطِ التعبير، ويَتَشَوَّه نموُّ الآخَرِ من فَرطِ التسامي والكتمان.

وَقَفتُ أمامَ هذا الكلامِ طويلًا، فلم أَستطِعْ أن أَدفعَه عنّي كلَّه. ففيه ما لا يُنكَر: أنّ القَلِقَ، حين يَفيض، قد يُصبحُ ثقيلًا على من حوله دون أن يَدري.

حين يَسألُكَ خمسَ مرّاتٍ في اليوم «هل أنتَ بخير؟»، يَستهلكُ منكَ طاقةً لا تَملِكها.

حين يَستبقُكَ إلى الاعتذارِ عن خطأٍ لم تُلاحظْه، يَفتحُ لكَ بابَ شعورٍ بالذنبِ لم يَكن في حِسابك.

حين يَفترضُ أنّكَ حزينٌ ويَسعى إلى إصلاحِك، قد يَنتزعُ منكَ الحقَّ في أن تكونَ على طبيعتك.

حين يَملأُ الجوَّ بحرصِه، قد لا يَترُكُ هواءً لغيرِه يَتنفَّسُه.

ثَمّةَ فَرقٌ، دقيقٌ ومُهمّ، بين القَلَقِ الذي يَنتبهُ إلى الآخرين، والقَلَقِ الذي يَسجنُ الآخرين في انتباهه. الأوّلُ يَفتحُ نافذةً لمن حوله. الثاني يُغلِقُ عليهم البابَ من حُسنِ النيّة.

ولعلّ الفَيصلَ هنا أن يَسألَ القَلِقُ نَفسَه سؤالًا واحدًا، ثم يُجيبَ بصِدق: هل قَلَقي يَجعلُ الآخرين أَوسعَ صدرًا، أم أَضيق؟ هل يَتنفّسُ مَن حولي بحضوري، أم يَكتمون أنفاسَهم كي لا يُشَوِّشوا عليّ؟ إذا كانَ القَلِقُ خفيفَ الظِّلِّ على نَفسه، خفيفَ اليدِ على الآخرين، فهو حارسُ المجلس. أمّا إذا صارَ هو نَفسُه الجوَّ الذي يَخنُقُ من حوله، فقد انقلبَ، دون أن يَشعر، من حارسٍ إلى سَجّان.

يَطلبُ الناسُ من علماءِ الإحصاءِ استطلاعاتِ رأي، ويَطلبون من شركاتِ التسويقِ نِسَبَ رضا العملاء. لكنّي أَزعمُ أنّ في كلّ بيتٍ ومكتبٍ ومستشفى مِقياسًا أدقَّ من هذه الأدوات كلِّها: شخصٌ قَلِقٌ واحد. اسألوه يُخبركم، دون رسومٍ بيانية، كم بَقي في علاقتكم، وكم نَفِد، وأين موضعُ الكَسر، ومن يَستحقُّ اعتذارًا قبل أن يَطلبَه. كلُّ ما تحتاجونه أن تَستجلبوا قَلِقًا، خبيرًا في القَلَق، فيُجيبَكم بصمتٍ هَزَّ الرأسَ به، أو بنظرةٍ طويلةٍ لا تَعِدُ بشيء.

Anxiety painting by the Norwegian painter Edvard Munch

هل القَلَقُ مَرَضٌ، أم لا؟

طويلًا حَيَّرَني هذا السؤال، فوجدتُ أنّ الإجابةَ تَختلفُ باختلافِ القَلِقِ نَفسِه، لا باختلافِ القَلَق..

القَلَقُ في أصله ليس مَرَضًا. هو جهازُ إنذارٍ أَودَعَتْه الطبيعةُ فينا. في مراجعةٍ عن الجذور التطوّرية للقلق، يقول الباحثون إنّ القَلَقَ المستديم، أي اليقظةَ العالية، والبَحثَ عن إشاراتِ الخَطَر، وتجنُّبَ المواقفِ التي قد تُؤذي، يَمنحُ صاحبَه ميزةً تكيُّفيةً على الأقلِّ قَلَقًا منه. أي إنّ القَلِقين، في تاريخنا الطويل، كانوا أوّلَ من يَكشفُ المُفترِسَ في الظلام، فيَنجون ويُنجّون قبيلتَهم.

An Evolutionary Perspective on Anxiety and Anxiety Disorders
DOI: 10.5772/52902


ووَجَدتُ في مراجعةٍ منهجيةٍ عن القَلَق الاجتماعي والتعاطف، نشَرها بيتِلكاو وزملاؤه، أنّ الأشخاصَ الذين يحملون قلقًا اجتماعيًّا يُبدون حساسيةً أعلى لمشاعر الآخرين وأفكارهم، لا أقلّ. وكأنّ الجهازَ الذي يُؤرّقُ صاحبَه في الليل، هو نفسُه الجهازُ الذي يَلتقطُ في النهار رِعشةَ الصوتِ في حنجرة الآخر، وانكسارَ الابتسامةِ قبل أن تكتمل.

Social Anxiety and Empathy: A Systematic Review and Meta-analysis
https://doi.org/10.1016/j.janxdis.2021.102357


يقول الفَيلسوفُ كيركغارد: القَلَقُ دُوارُ الحريّة.


وأَفهمُ الآن لماذا: لأنّ الحُرَّ وحدَه يَملِكُ أن يَختارَ حَملَ همِّ غَيره. أمّا الذي لا يَختار، فلا يَقلَق.

ولعلّ القَلَقَ، في صورته الأخيرة، ليس دُوارَ الحريّة فحسب، بل دُوارَ المَحبّة. فحين تَفيضُ المَحبّةُ في صَدرٍ صغير، يَتَرَنَّحُ بها صاحبُها، يُسَمّيها الناسُ قَلَقًا، ويُسَمّيها الله رأفة ورحمة.

فإن وَجَدتَ في حياتك قَلِقًا واحدًا، فاعلَم أنّ عندكَ كَنزًا لا يَعرفُ صاحبُه أنّه كَنز. وإن كنتَ أنتَ ذلك القَلِق، فاعلَم أنّ ما تَحمِلُه ليس عيبًا تُداويه، بل أمانةٌ ثَقيلةٌ، حُمِّلْتَها لأنّ غيرَكَ لم يكن يُحسِنُ حَملَها.


No comments:

Post a Comment

وجه آخر للقلق: مَن يَبدأُ التَّصفيقَ في كلِّ قاعة؟

Applause Painting By Denise Dalzell   ثَمَّةَ كَفٌّ، في كلِّ قاعة، يَسبقُ صاحبَه. تنطلقُ منه أوّلُ تصفيقةٍ في تلك البُرهةِ التي تَلي الجملةَ...