لا تُدرك وقوعك فيها إلا حين تجد نفسك تُغلق الكتاب وتُحدّق في السقف، مُبهوتًا كمن صفعه شيء ناعم لا يُؤلم لكنّه يُبقي أثره لأيام. هذا ما يفعله أوفونسو كروش، الكاتب البرتغالي المولود عام 1971، في كل رواية يكتبها: لا يحكي لك قصة بقدر ما يدعوك إلى .مجلسه الحزين، يضع أمامك شايًا باردًا وسؤالًا لا يُحتمل، ثم يتظاهر أنه لم يفعل شيئًا
كان عام 1918. الحرب العالمية الأولى تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومعها كان يلفظ أوسكار كوكوشكا، الرسام النمساوي الكبير، أنفاس عقله. كانت ألما ماهلر قد تركته، أرملة الموسيقار غوستاف ماهلر، أرملة تحمل من الجاذبية ما يكفي لتحطيم كوكوشكا مرتين. حين رحلت، لم يُصدر صرخة ولم يكتب شعرًا. فعل ما لم يخطر ببال إنسان سوي قبله ولا بعده: أرسل خطابًا مفصّلًا إلى صانعة دُمى في ميونخ يصف فيه جسد ألما ماهلر بحمّى تشريحية مُرعبة، طالبًا نسخة كاملة منها بالحجم الطبيعي. ملمس الجلد، كثافة الشعر، دقة التعابير، حتى الطريقة التي كانت تحتضن بها فستانها.
استلم الدمية. أخذها إلى دار الأوبرا. أجلسها في المقعد المجاور. استأجر لها مربية. رسمها في لوحات متعددة. وفي حفلة شهيرة أمام ضيوفه، صبّ الخمر الأحمر على جسدها ثم طلب من خادمه قطع رأسها.
قرأتُ هذه القصة فلم أعرف أكنتُ أمام مرض أم أمام حبٍّ بلغ ذروته. ثم أدركتُ أن الفرق بين الاثنين، أحيانًا، لا يتجاوز سُمك ورقة.
.أوفونسو كروش قرأها أيضًا. لكنه لم يكتب عنها. بل كتبَ من داخلها
ولفهم ما يفعله كروش في رواياته، لا بدّ من البدء بسؤال يبدو بسيطًا: من أين يأتي الجرح؟
السؤال ليس شعريًا فقط. في عام 2016، نشرت الباحثة راشيل يهودا من جامعة ماونت سيناي دراسة في مجلة علم الأحياء النفسي هزّت ما كنّا نظنّه بديهيًا. درست ناجين من المحرقة النازية وأبناءهم، ووجدت أن نمط مثيلة جين الاستجابة للضغط النفسي، جين يُسمّى اختصارًا "إف-كي-بي-5"، كان مُعدَّلًا بصورة متطابقة في كلا الجيلين: الآباء الذين احترقوا، والأبناء الذين لم يشهدوا سوى الرماد. الجُرح لم ينتظر لسان أصحابه ليُروى. انتقل صامتًا في الخلية، دون كلمة، دون ذاكرة واعية، مجرد إشارة .كيميائية تسبق اللغة وتسبق الوعي
.الصدمة، كما قالت يهودا، ليست ذكرى. إنها بُنية
:وهنا يُصبح سؤال إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر اللبناني، أكثر من استعارة شعرية
جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَينَ وَلكِنّي أَتَيتُ
وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيتُ
وَسَأَبقى ماشِياً إِن شِئتُ هذا أَم أَبَيتُ
كَيْفَ جِئتُ؟ كَيْفَ أَبصَرتُ طَريقي؟ لَستُ أَدريكان يظنّ أنه يكتب عن الوجود. لكنه كان يصف، دون أن يدري، كل إنسان يحمل في خلاياه جُرحًا لم يعشه ويسير نحو مصير لم يختره، كما لو أن الطريق قد رُسمت قبل ولادته بجيل أو جيلين.
.غير أن الجرح لا يكتفي بأن يُوجِع. يمتد إلى ما هو أعمق
في عام 2008، نشرت الباحثة ماري فرانسيس أوكونور في مجلة "نيورو-إيمدج" دراسة أدخلت فيها حزينين إلى جهاز الرنين المغناطيسي، ثم عرضت عليهم صور من رحلوا. وجدت أن من لم يتعافَ حزنهم مع الوقت، هؤلاء تحديدًا، أضاءت في أدمغتهم حين رأوا وجوه من أحبّوا منطقةٌ تُسمّى النواة المتكئة، وهي المنطقة ذاتها التي تنشط حين يرى المدمن مادة إدمانه. الدماغ لا يُفرّق بين الشوق الذي لا ينتهي وبين الإدمان. والأشدّ إيلامًا في النتيجة: أن هذا الإضاءة كانت مرتبطة بالحنين ذاته، لا بمرور الوقت، ولا بالعمر، ولا بأي شيء آخر. فقط بشدة الاشتياق.
وهذا هو عالم كروش بالضبط: عالم ناسٍ يُدمنون غائبين، يصنعون منهم دُمى وروايات وأبًا ابتلعه كتاب، لا لأنهم مجانين، بل لأن الدماغ نفسه لا يعرف كيف يُفطم عمّن أحبّهم.
ثمة فيلسوف فرنسي كان سيبتسم لو قرأ نتيجة أوكونور. بول ريكور، الذي أمضى عمره يسأل سؤالًا واحدًا: من يكون الإنسان حين يفقد ما يُعرّفه؟
إجابته كانت صادمة بهدوئها: الإنسان ليس جوهرًا ثابتًا يحمله من المهد إلى اللحد، بل سردية يرويها. نحن لا نملك هوية، نحكيها. ما لا يُحكى لا يوجد. وما لا يوجد، مع ذلك، يظل يؤلم.
أي أن الصنع، عند كروش وعند كوكوشكا قبله، ليس هروبًا من الفقد بل فعل وجود. حين تصنع دمية من غائب، أو تكتب رواية عن أب ابتلعه الكتاب، أو تشتري شاعرًا كي لا تخسر القصيدة، فأنت لا تُنكر الرحيل، أنت تُثبت أنك لا تزال موجودًا رغمه. تحكي كي تكون. تصنع كي لا تختفي.
.في رواياته، ثمة أسلوب يصعب وصفه لمن لم يلمسه بيده، لكن يمكن المحاولة
تخيّل رواية تبدأ بفكرة سخيفة تمامًا: رجل يُعلَن للبيع. أو أب يُبتلعه كتاب. أو عاشق يصنع دمية من حبيبة رحلت. المدخل دائمًا أقرب إلى النكتة منه إلى المأساة. تقرأ الصفحة الأولى وأنت لا تزال تبتسم. ثم في مكان ما بين الفصل الأول والثاني، تكتشف أن الابتسامة جفّت على وجهك دون أن تشعر بجفافها. هذه حيلته المحبّبة والقاتلة: يستدرجك بالخفّة ليوصلك إلى ثقل لم تكن مستعدًا له، كمن يدعوك لحفلة ثم تجد نفسك في جنازة وأنت ما زلت ترتدي ثياب الفرح.
جُمَله قصيرة كوميض خاطف لكنها تترك لهيبها خلفها. لا يصف كثيرًا، يوحي. لا يُفسّر دوافع شخصياته، يتركها تقف أمامك محيّرة كأفراد عائلة لا تعرفهم جيدًا لكنك تعرف أنهم يحملون شيئًا ثقيلًا. يُؤثر الفجوة على الامتلاء، ويكتب ما بين الكلمات أكثر مما يكتب الكلمات نفسها. ولا تدري أين انتهت النكتة وبدأ البكاء.
في الكتب التي التهمت والدي، لا يموت الأب، وهو ما هو أمضّ من الموت، بل يُبتلع رويدًا رويدًا في صفحات الكتب. والابن لا يبحث عنه في المقابر، يبحث عنه بين الأسطر، يقلّب الصفحات كمن يقلّب حجارة في نهر.
في الحفيدة، يتحوّل الميراث إلى لعنة أدقّ: لا يرث الأحفاد الأموال، يرثون الجروح التي ظنّ أصحابها أنهم دفنوها بعمق كافٍ، تمامًا كما وجدت يهودا في جيناتهم ما لم يعيشوه.
في هيا نشتر شاعرًا، يسأل في هدوء مخيف: حين يُباع الشاعر، ما الذي يُباع فعلًا؟ ويتركك بلا إجابة.
وفي الرسّام تحت المجلى، يختبئ الفنان في أكثر أماكن البيت تواضعًا ليُمارس فعله، لأن الفن عند كروش ليس احتفاءً بالجمال بل فرارًا نحو الداخل، نحو الغرفة الوحيدة التي لا يستطيع أحد دخولها بلا إذن.
قال فرناندو بيسوا، ابن لشبونة التي أنجبت كروش بطريقة ما: "أنا من الحجم الذي أراه، لا من الحجم الذي أكون." كروش كاتب بيسواوي في صميمه، لا يُصدّق الأحجام الظاهرة لأشياء تعيش على الداخل. وحين تجمع رواياته وتنظر إليها من بعيد كما تنظر إلى خارطة فلك، تجد أنه يكتب عن شيء واحد يُعيد تشكيله في كل كتاب: كيف يعيش الإنسان مع ما لا يستطيع ملاكه ولا التخلي عنه؟
الجواب عنده دائمًا هو نفسه: تصنع منه شيئًا! رواية، أو دمية، أو حياةً كاملة مبنيّة فوق الفقد كمن يبني بيتًا فوق أرض زلزلت ولا يزال يأمل بالاستقرار.
الفرق الوحيد بين كوكوشكا وكروش أن الأول صنع دمية ليملأ بها فراغ امرأة واحدة، والثاني صنع روايات ليملأ بها فراغًا أضخم بكثير: فراغ ذلك الشعور العصيّ على التسمية الذي تصفه يهودا في خلاياها والذي حدسه أبو ماضي في قصيدته، الشعور بأنك وصلتَ إلى هذا العالم تحمل جرحًا لا تعرف كيف وصل إليك، وتمشي في طريق لم تختره، وتسأل كيف أبصرتَ ما أبصرت، ولا تجد جواباً.
كوكوشكا قطع رأس الدمية في نهاية الأمر. كروش لم يفعل. رواياته لا تزال مغلقة، تنتظر من يفتحها
No comments:
Post a Comment