Monday, April 7, 2025

هويات طافية على المحيط: حين تُصبح الغربة وطناً

 خالد العامر


على الضفة الهادئة من المحيط الهندي، حيث تُداعب الريح جدائل النخيل، وتتناثر رائحة القرفة والقرنفل كأنها صلاة معلّقة، تقع .زنجبار

.جزيرة لا تُشبه غيرها، لا في شكلها ولا في إيقاعها، كأنها قررت منذ زمن أن تسير خارج الزمن

جئتُها لأستجم، لأستريح من صخب المدن، من توتر المواعيد، ومن تسارع لا أعرف مَن يقوده. لم أكن أبحث عن أجوبة، ولا عن قصص تُروى، لكنني وجدت نفسي أمام حكايتين... وحالة شعورية لا يمكن وصفها. أقمت في منتجع صغير على أطراف الجزيرة، يملكه رجل سوري. في صباح نديّ، جلسنا على طاولة المطعم نرتشف القهوة، وأخبرني قصته.

سوري الجنسية، لأم إيطالية، مكسيكي الزوجة، زنجباري الهوى. كان يتكلم بهدوء رجل متصالح مع نفسه، كأنّه صالحها بعد خصام طويل. قال لي: هنا لا يسألك أحد من أين أتيت. يسألونك فقط كيف تشعر اليوم.

كانت جملة، لكنها فتحت داخلي نافذة. تذكّرت حينها ما كتبه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة حين قال إن الهويّة لا يمكن اختزالها في انتماء واحد، وإن الإنسان يحمل بداخله دوائر متداخلة، وكل محاولة لتقليصها إلى هوية واحدة هي مشروع كارثي.

 معلوف ذاته، كان ابن المشرق والمغرب، المسيحي والعربي، ولا يرى في ذلك تناقضًا، بل ثراءً. شعرت وأنا أستمع لهذا السوري، أنني لا أسمعه فقط، بل أرى معلوف يجلس معنا، يبتسم ويومئ برأسه.


بعد أيام، وبينما كنت أتسوق من سوبرماركت صغير،لفتني رجل يرتدي تيشيرت كُتب عليه اسمٌ غريب. سألته بلطف عن معنى الاسم، أجابني بانجليزية تشوبها عربية، فابتسمت وسألته: "من وين حضرتك؟"

ضحك وقال: "أصعب سؤال هنا! لبناني، بس الوالدة يونانية، وعشت فترة طويلة في فرنسا. بس هلق هون... هون بزنجبار."

.قالها وكأنه يتحدث عن حالة شعورية، لا عنوان سكن.

دعاني بعدها لمطعمه الصغير، الذي يقدم فيه أطباقًا إيطالية بطابع خاص. المطعم بسيط، الإنارة دافئة، والموسيقى التي يعزفها في الخلفية ليست موسيقى مطاعم، بل مقاطع يبدو أنه أحبّها يومًا. تبين لاحقًا أنه كان يعمل كـ دي جي قبل أن يقرر الهرب من كل ذلك والبدء من جديد.

جلسنا نتحدث عن الوطن، فقال لي: "الوطن؟ مش المكان اللي ولدت فيه... الوطن هو المكان اللي ما بتحتاج تشرح فيه حالك."

تأملتُ عبارته طويلًا، كما لو أنها نُقشت في رأسي. لم يكن يتحدث عن بلد، بل عن حالة من السلام الداخلي، عن موطئ قدم في 
.عالم يموج بالتعريفات والانتماءات

تلك الجملة سكنت فيّ كما تسكن الذكرى في القلب. ليست مجرد عبارة، بل مفتاح لفهم كل شيء شعرتُ به منذ أن وطأت قدمي هذه الأرض.
الوطن حالة، لا جغرافيا. تذكّرت وقتها ما قاله درويش: "الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها". نعم،
نحن نخلق هويتنا كما نخلق القصائد. لا أحد يملك الحق في حصرنا بانتماء واحد، ولا حتى نحن.


لكن ليست فقط القصص البشرية هي ما شدّتني. تنزانيا كلّها قصيدة تنوّع. من أصغر حشرة تتقافز بين أوراق الموز، إلى طيور بألوان زاهية كأنها خرجت من لوحة مائية، إلى القرود التي تعبث في ظلال الأشجار، والأشجار ذاتها التي لا تتشابه، لا في شكلها ولا في أوراقها.

ثم هناك الفواكه، كما لو أن الطبيعة هنا أرادت أن تختبر قدرة الإنسان على الدهشة: جوافة بقلوب وردية، مانجو بطعم الطفولة، أناناس بنكهة الشمس، وقشطة كأنها خرافة صالحة للأكل.

كل شيء في زنجبار يحتفي بالاختلاف. لا شيء متشابه، ومع ذلك كل شيء متناغم. وهذا التناغم لم يكن في الطبيعة وحدها، بل في الناس أيضًا. خليط أعراق، ألسنة، ديانات، وخلفيات، تتعايش بلا قلق، بلا صراع على تعريف، بلا صراع أصلًا. وفي ذلك :المناخ البطيء، الهادئ، قرأت كتاب

 The Things You Can See Only When You Slow Down

لمؤلفه هيمن صنيم. كان يسأل: "لماذا نحن مشغولون إلى هذا الحد؟" وكان جوابه أن الانشغال لا يأتي من ازدحام الخارج، بل من اضطراب الداخل. العقل هو من يخلق الزحام، لا العالم. فإذا هدأت عقولنا، بدا كل شيء حولنا هادئًا. العالم، كما يقترح الكتاب، ليس إلا مرآة لذواتنا.

حين قرأته وسط تنوّع زنجبار وهدوئها، فهمت أن الحياة البطيئة ليست كسلًا، بل إدراك. أن البطء يمنحك فرصة للانتباه، لرؤية التفاصيل، لسماع صوتك الداخلي بعد أن أنهكه ضجيج الخارج. زنجبار لم تكن مجرّد وجهة سياحية. كانت لحظة توقّف. توقّف عن الركض، عن القلق، عن السعي المحموم نحو "تعريف الذات".

.فيها، وجدت أن الهويّة ليست شيئًا نمتلكه، بل شيئًا نصادفه حين نكفّ عن البحث.

.غادرتُ الجزيرة وأنا أخفّ. لا لأن شيئًا تغيّر من حولي، بل لأني تغيّرتُ تجاهه

.في أماكن مثل زنجبار، لا تُعرَف الهويّة من جواز سفرك، بل من الطريقة التي تُنصت بها للبحر

No comments:

Post a Comment

وجه آخر للقلق: مَن يَبدأُ التَّصفيقَ في كلِّ قاعة؟

Applause Painting By Denise Dalzell   ثَمَّةَ كَفٌّ، في كلِّ قاعة، يَسبقُ صاحبَه. تنطلقُ منه أوّلُ تصفيقةٍ في تلك البُرهةِ التي تَلي الجملةَ...